زكريا القزويني
569
آثار البلاد واخبار العباد
يونان موضع كان بأرض الروم . به مدن وقرى كثيرة ، وإنّها منشأ الحكماء اليونانيّين ، والآن استولى عليها الماء . من عجائبها أن من حفظ شيئا في تلك الأرض لا ينساه أو يبقى معه زمانا طويلا . وحكى التجار أنّهم إذا ركبوا البحر ووصلوا إلى ذلك الموضع يذكرون ما غاب عنهم . ولهذا نشأ بهذه الأرض الحكماء الفضلاء الذين لم يوجد أمتالهم في أرض أخرى إلّا نادرا . ينسب إليها سقراط أستاذ أفلاطون ، وكان حكيما زاهدا في الدنيا ونعيمها راغبا في الآخرة وسعادتها . دعا الناس إلى ذلك فأجابه جمع من أولاد الملوك وأكابر الناس ، فاجتمعوا عليه يأخذون منه غرائب حكمته ونوادر كلامه . فحسده جمع فاتّهموه بمحبّة الصبيان ، وذكروا أنّه يتهاون بعبادة الأصنام ، ويدعو الناس إلى ذلك ، وسعوا به إلى الملك وشهد عليه جمع بالزور عند قاضيهم ، وحكم قاضيهم عليه بالقتل فحبس ، وعنده في الحبس سبعون فيلسوفا من موافق ومخالف يناظرونه في بقاء النفس بعد مفارقة البدن ، فصحّح رأيه في بقاء النفس . فقالوا له : هل لك أن نخلّصك عن القتل بفداء أو هرب ؟ فقال : أخاف أن يقال لي لم هربت من حكمنا يا سقراط ؟ فقالوا : تقول لأني كنت مظلوما ! فقال : أرأيتم أن يقال إن ظلّمك القاضي والعدول فكان من الواجب أن تظلمنا وتفرّ من حكمنا ، فماذا يكون جوابي ؟ وذاك أن القوم كان في شريعتهم أنّه إذا حكم عدلان على واحد يجب عليه الانقياد وان كان مظلوما ، فلذلك انقاد سقراط للقتل ، فازمعوا على قتله بالسمّ . فلمّا تناول السمّ ليشربه بكى من حوله من الحكماء حزنا على مفارقته . قال : إني وإن كنت أفارقكم إخوانا فضلاء فها أنا ذاهب إلى إخوان كرم حكماء فضلاء ! وشرب السمّ وقضى نحبه . وينسب إليها أفلاطون أستاذ أرسطاطاليس ، فكان حكيما زاهدا في الدنيا ويقول بالتناسخ . فوقع في زمانه وباء أهلك من الناس خلقا كثيرا ، فتضرّعوا إلى